حبيب الله الهاشمي الخوئي

145

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

واشتباه الحرام بالحلال وغلبة الحرام فيها . ( ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطي ) أي يكون المحسن إليه أعظم أجرا من المحسن ، لأنّ أكثر الأموال في ذلك الزمان يكون من الحرام ، وأيضا لا يعطونها على الوجه المأمور به بل يعطونها للأغراض الفاسدة من الرياء والسمعة وهوى النفس الأمارة ، وأما المحسن إليه فلكونه فقيرا يأخذ المال لسدّ خلَّته وخلَّة عياله الواجب النفقة لا يلزمه البحث عن المال وحليّته ، وحرمته فكان أعظم أجرا من المعطي . قال الشارح المعتزلي : وقد خطر لي فيه معني آخر ، وهو أنّ صاحب المال الحرام إنما يصرفه في أكثر الأحوال في الفساد ، فإذا أخذه الفقير منه على وجه الصّدقة فقد فوّت عليه صرفه في القبايح فقد كفه الفقير بأخذه المال من ارتكاب القبيح . وتبعه على ذلك الشارح البحراني ، ولا يخلو عن بعد وكيف كان فأفعل التفضيل أعني قوله : أعظم أجرا مثل ما في قوله تعالى * ( « أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ » ) * . ( ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النعمة والنعيم ) استعار لفظ السكر لغفلتهم عما يلزم عليهم من صلاح أمورهم ، ولما كان المعني الحقيقي للسّكر ما كان عن الشراب فأتى بقوله : من غير شراب ، ليكون صارفا عن الحقيقة إلى المجاز ، وقد قيل : سكر الهوى أشدّ من سكر الخمر . ( وتحلفون من غير ) إجبار و ( اضطرار ) أي تتهاونون باليمين وقد نهى اللَّه سبحانه عنه بقوله « ولا تجعلوا اللَّه عرضة لأيمانكم » . ( وتكذبون من غير احراج ) أي تكذبون من غير ضرورة توقعكم في الضيق والحرج وتلجئكم إلى الكذب بل لكونه عادة وملكة لكم واعتيادكم به تكذبون . ( ذلك إذا عضّكم البلاء كما يعضّ القتب غارب البعير ) أي يشتدّ عليكم البلاء ويؤذيكم كما يؤذى القتب غارب البعير ، فاستعار لفظ العضّ للأذيّة من باب الاستعارة التبعيّة ، أو شبّه البلاء بالجمل الصعب الشموس على سبيل الاستعارة المكنيّة وذكر العضّ تخييلا ، ثمّ شبه عضّ البلاء بعضّ القتب من باب تشبيه المعقول بالمعقول .